MENU

لماذا حكومة انتقالية تكنوقراطية في جنوب السودان؟

لماذا حكومة انتقالية تكنوقراطية في جنوب السودان؟

Dr. Lam Akol Ajawin 

د.  لام أكول

وُلد البلد الأحدث في العالم وسط توقعات كبيرة وآمال عراض. لم تكن هذه الآمال أحلام وردية ولا تمنيات خيالية. كان الأمل مبنى على واقع أن البلاد تزخر بموارد بشرية وطبيعية هائلة توفرت للقليل من البلدان الأفريقية، إن وجدت، عند الاستقلال. اليوم أصبح جنوب السودان مثالاً حياً لفشل الدولة لا بسبب أن تقييم الموارد في غير محله وإنما للقيادة الفاشلة. لقد أدار النظام الحالى فى جوبا ظهره لشعارات التحرير وتحول إلى نظام إثنى سارق لا يهمه مصلحة الشعب ولكن فقط الإستيلاء على موارد البلد لدعم شبكات التأييد الأعمى لإطالة بقائه في السلطة. ولذلك، فإنه ليس من قبيل الصدفة أن تجد البلاد نفسها اليوم منغمسة في حرب أهلية عرقية كان من الممكن تفاديها. شهدت هذه الحرب أبشع  جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية ترتكب من قبل طرفي النزاع. اشعل الحرب الأخيرة والحالية رئيس الجمهورية نفسه. يترتب على ذلك أن أي محاولة لحل الأزمة الحالية يجب ألا تكافئ مرتكبي الجرائم البشعة ولا تسمح بالإفلات من العقاب.

الوصفات الليبرالية الكلاسيكية لاتفاقات السلام، كما كان الحال في السودان وجنوب السودان، تؤدى في نهاية المطاف إلى الإتفاق على حكومة انتقالية تتولى تنفيذ بنود إتفاق السلام الذى يتوصل إليه المفاوضون. وتهدف هذه البنود عادة لوقف الحرب، وتهيئة مناخ ملائم لسلام مستدام من خلال التحول الديمقراطي وإصلاح مؤسسات الحكم ثم إجراء انتخابات عامة ليختار الشعب قادته في النهاية بطريقة حرة ونزيهة وذات مصداقية. والسؤال الذى يطرح نفسه هو: هل يمكن الوثوق فى خصوم الحرب للاضطلاع بتلك المهمة؟

الإجابة البسيطة على هذا السؤال هو أنهم غير قادرين ولا يستطيعون. هناك أسباب كثيرة لذلك. يكفي هنا التشديد على أن أى حكومة انتقالية يتجمع نسيجها من الأطراف المتحاربة ليس لديها فرصة لكى تكون متماسكة ومنسجمة بسبب أن كل الأطراف تسعى للكسب السياسى لأن أنظارها مركزة على الهدف النهائى وهو الفوز في الانتخابات التي سوف تتبع في نهاية الفترة الانتقالية بعد حوالى سنتين أو تزيد. كان ذلك الحال في الفترات 2005-2011 و2015-2016 وما صاحب ذلك من عواقب وخيمة. لابد من الخروج من هذه الحلقة المفرغة إذا ما أردنا إعطاء جنوب السودان فرصة للاستقرار ناهيك عن التحول الديمقراطي. المخرج الوحيد هو إبعاد السياسيين من أصحاب المصالح في نتائج الانتخابات التي يتوقع أن تجري في نهاية الفترة الانتقالية من معادلة السلطة. يجب أن يتولى مسؤولية إدارة عملية الانتقال وطنيون جنوب سودانيين من الذين لا يشاركون في السياسات الحزبية و لديهم المقدرة المطلوبة لتنفيذ مهام الحكومة الانتقالية وإنجاز مهمة إجراء انتخابات حرة ونزيهة وذات مصداقية في نهاية الفترة الانتقالية. ينبغى على السياسيين الانتظار واستخدام المرحلة الإنتقالية القصيرة لبناء أحزابهم أو حركاتهم السياسية إستعداداً للانتخابات العامة.

هؤلاء الجنوب سودانيين هم الذين نسميهم التكنوقراط. إنهم  جزء من المجتمع المدني الأوسع ولا ينبغي الخلط بينهم والفنيين ولا هم بالضرورة موظفين في الخدمة المدنية حالياً. هناك الكثير من أبناء وبنات جنوب السودان من المؤهلين لتأدية هذا الدور. يجب أن يستند الاختيار على معايير صارمة يتم الإتفاق عليها مسبقاً، وعلى هذا الأساس يتم فحص مؤهلاتهم من قبل أصحاب المصلحة الذين شاركوا فى التفاوض ووقعوا على اتفاق السلام المتوقع. شرط آخر ينبغي أن يفرض عليهم لضمان تركيز إهتمامهم الكلى على هذه المهمة، هو عدم السماح لهم بخوض الإنتخابات التى تلى الفترة الانتقالية مباشرة.

أن العقبة الرئيسة في سبيل الإتفاق على شكل الحكومات الانتقالية في محادثات السلام ظلت دائماً إصرار الحكومة على أنها منتخبة من قبل الشعب وتتمتع بالشرعية للاستمرار في الحكم. في جنوب السودان اليوم، الحرب الأهلية نفسها بمثابة حكم إدانة ضد هذه الشرعية المدعاة، لأن المهمة المفصلية لأى حكومة هو تأمين شعبها من جوع ومن خوف. النظام الحالي في جوبا لم يفعل أى من الإثنين. في الواقع، لقد كانت الحكومة المصدر الرئيس للخوف حيث أن الملايين صوتوا بأقدامهم ليصبحوا لاجئين ومشردين داخليا. ولجأ ربع مليون اُخر طلباً للحماية من الأعمال الوحشية لحكومتهم إلى مواقع أونميس لحماية المدنيين في العاصمة القومية والمدن الأخرى. أما السكان المتبقين فهم في قبضة نقص الغذاء والمجاعة الحقيقية. فقط حسن نية المجتمع الدولي هو سبب بقائهم على قيد الحياة حتى الآن. إذا كان الشعب صاحب السيادة التي تمارسها الحكومة نيابة عنهم يمر بمثل هذه المحن، ما هي السلطة الأدبية لدى هذا النظام للتشبث بالسلطة؟

لأولئك الذين يرون الأمور من زاوية قانونية فقط، يكفي الإقرار بأن النظام الحالي في جوبا نظام أمر واقع وليس بحكم القانون. هناك أسباب كثيرة لدعم هذه الحقيقة ولكن نكتفى بسبب واحد نسبة لعدم وجود مساحة كافية هنا. الجدير بالذكر إنه منذ استقلال جنوب السودان لم ينتخب الشعب رئيسه ولا أعضاء البرلمان. الحكومة الحالية تستمد شرعيتها فقط من إتفاق أغسطس عام 2015م، المسمى “اتفاق فض النزاع  في جمهورية جنوب السودان”. ولهذا السبب سميت “الحكومة الإنتقالية للوحدة الوطنية”  كما جاء في الاتفاق. منذ إنهيار الاتفاق، ذهبت شرعية الحكومة معه وهذه الشرعية لا تقبل التجديد. هذا يتطلب إتفاقية جديدة من خلال مائدة مستديرة جديدة شاملة لجميع أصحاب المصلحة. يأتى هذا المقترح فى هذا السياق.

لقد شهد السودان فى تاريخه الحديث حكومتين إنتقاليتين مشكلتين من التكنوقراط. جاءت كل منهما بعد انتفاضة شعبية أطاحت بالطغمة العسكرية الحاكمة (في عامي 1964 و 1985) وقادت المرحلة الانتقالية إلى إجراء انتخابات ديمقراطية حرة. كان مجلس الوزراء، الذى يمارس السلطة التنفيذية، يتألف في الحالتين من شخصيات غير حزبية نجحت فى تمهيد الطريق لإجراء انتخابات ديمقراطية. بطبيعة الحال، لا تخلو الحكومات الانتقالية التكنوقراطية من مشاكل، ولكن عند أخذ كل العوامل في الاعتبار تأتي في مرتبة متقدمة جداً بالمقارنة مع حكومة انتقالية مكونة من سياسيين متحزبين من حيث إعداد جو معافى مستوى للجميع.

باختصار، السبب الرئيس لاقتراح تشكيل حكومة إنتقالية تكنوقراطية في جنوب السودان كجزء من إتفاق السلام هو إختيار فريق فى مقدرته قيادة الانتقال إلى الغرض المنشود، ألا وهو إعداد جو معافى لجميع المواطنين في البلاد لترك ماضيهم المضطرب ورائهم والشروع في مسار ديمقراطي حقيقى


Editor’s Note: The views expressed in the “Opinion Page” are solely the opinions of the writers. The veracity of any claims made are the responsibility of the author’s and are not necessarily endorsed by The Malakal Post. The Malakal Post, reserves the right to edit articles before publication. If you would like to submit an opinion article or analysis, please email your article at: info@malakalpost.com

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

OPINIONS

CONTACT INFORMATION

map

OUR MISSION STATEMENT

Striving to be the most accurate, most thorough and most interesting source of South Sudan news; to be the primary source of information for, by and about the South Sudan.

ABOUT US